محمد الغزالي
129
فقه السيرة ( الغزالي )
أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ( 50 ) أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ( 51 ) [ يونس ] . وكان الدخول في الإسلام والبقاء عليه أبعد ما يكون عن التهمة ، ربما اعتنق فريق من الناس مبدأ ما - عن صدق وإقناع - ، وليس يمنعهم ذلك من التماس النفع به ، والتقدّم من ورائه . أما أولئك السابقون الأولون ، فقد علموا أنّ فقدان المنافع وهلاك المصالح الخاصة أول ما يلقون من تضحية في سبيل عقيدتهم . ولا أحسب شيئا يربّي النفوس على التجرّد كهذا التفاني في الحق ، للحق ذاته ، ثم إنّ القران كان صارما في قمع المتاجرة بالعقائد ، والإثراء على حسابها ، والعلوّ في الأرض باسمها : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ( 15 ) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 16 ) [ هود ] . وقد أفاد الصحابة من ذلك عفّة ونقاء وإخلاصا ، لا يعرف لها في التاريخ نظير ؛ فلمّا تعثّرت تيجان الملوك بأقدامهم ، واستسلمت الأقطار المكتظّة بالخير لجيوشهم ، كانت دوافع العقيدة وأهدافها هي التي تشغل بالهم قبل الفتح وبعده ، فلم يكترثوا لذهب أو فضة . . إنّما عناهم - أولا واخرا - إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر . وفي أيام الشّعب ، كان المسلمون يلقون غيرهم في موسم الحج ، ولم تشغلهم الامهم عن تبليغ الدعوة ، وعرضها على كل وافد ؛ فإنّ الاضطهاد لا يقتل الدعوات ، بل يزيد جذورها عمقا ، وفروعها امتدادا ؛ وقد كسب الإسلام أنصارا كثرا في هذه المرحلة ، وكسب - إلى جانب ذلك - أنّ المشركين قد بدؤوا ينقسمون على أنفسهم ، ويتسائلون عن صواب ما فعلوا ، وشرع فريق منهم يعمل على إبطال هذه المقاطعة ، ونقض الصحيفة التي تضمنتها . وأول من أبلى في ذلك بلاء حسنا هشام بن عمرو ؛ فقد ساءته حال المسلمين ، ورأى ما هم فيه من عناء ؛ فمشى إلى زهير بن أبي أمية ؛ وكان شديد